تقرير اقتصادي – الثلاثاء 28 أبريل 2026
في إطار توجه متنامٍ نحو إشراك المواطنين والقطاع الخاص في صياغة الأنظمة واللوائح التي ستحكم بيئة الأعمال في المملكة العربية السعودية، أعلنت المنصة الإلكترونية الموحدة لاستطلاع آراء العموم والجهات الحكومية المعروفة بـ"استطلاع"، التابعة للمركز السعودي للتنافسية والأعمال، عن طرح 30 مشروعًا ذا صلة بالشأن الاقتصادي والتنموي بالتعاون مع 17 جهة حكومية.
هذه الخطوة، التي جاءت ضمن النشاط الأسبوعي للمنصة، تتيح للأفراد والشركات والجهات المعنية فرصة الاطلاع على المشاريع التشريعية قبل إقرارها، وإبداء المرئيات والملاحظات والمقترحات حولها، في تجسيد عملي لمفهوم التشريع التشاركي الذي يُعدّ أحد أبرز ملامح المنظومة التنظيمية الحديثة في المملكة.
تعد منصة "استطلاع" أداة إلكترونية مركزية أنشئت لتمكين العموم والقطاعين الحكومي والخاص من المشاركة الفعالة في تطوير التشريعات الاقتصادية والتنموية. وتعمل المنصة وفق آلية منظمة تمر بعدة مراحل:
تبدأ العملية بقيام الجهة الحكومية المعنية بإعداد مسودة مشروع النظام أو اللائحة، ثم يتم نشرها على منصة "استطلاع" لمدة لا تقل عن 30 يومًا، يحق خلالها للجهات الحكومية والأفراد والقطاع الخاص إبداء مرئياتهم وملاحظاتهم. وبعد انتهاء فترة الاستطلاع، تُجمع المشاركات الإلكترونية وتدرسها الجهة المختصة قبل إقرار النص النهائي للمشروع.
وقد أثبتت هذه المنصة فعاليتها في السنوات الماضية، حيث أسهمت مرئيات المواطنين والمهتمين في إقرار عدد من الأنظمة المهمة، كاللائحة التنفيذية لنظام التجارة الإلكترونية، واللائحة التنفيذية لنظام الشركات المهنية، واللائحة التنفيذية لنظام مكافحة التستر التجاري.
ووفقًا لإحصائيات المنصة لعام 2023، بلغ إجمالي المشروعات المطروحة عبرها نحو 537 مشروعًا قدمتها 134 جهة حكومية، نتج عنها 416 نتيجة وقرارًا، مما يعكس الحجم الكبير للنشاط التشريعي التشاركي في المملكة.
تتنوع المشاريع الـ 30 المطروحة حاليًا لتغطي مجالات اقتصادية وتنموية متعددة، ومن أبرزها:
طرحت هيئة المدن والمناطق الاقتصادية الخاصة مشروع "لائحة المنطقة الاقتصادية الخاصة بمدينة الملك عبدالله الاقتصادية"، الذي يهدف إلى تنظيم إدارة وتشغيل المنطقة، ووضع الضوابط الخاصة بالترخيص والتسجيل العقاري وتنظيم الأمن والسلامة داخلها، إضافة إلى إنشاء وتشغيل مناطق الإيداع.
كذلك طرحت الهيئة مشروع "لائحة المنطقة الاقتصادية الخاصة للحوسبة السحابية والمعلوماتية"، الذي يستهدف تنظيم إدارة وتشغيل هذه المنطقة المتخصصة في التقنيات الحديثة، بما يراعي طبيعتها والأنشطة المستهدفة فيها. وينتهي الاستطلاع على المشروعين بتاريخ 8 مايو 2026.
طرحت هيئة السوق المالية مشروع "تعديل القواعد المنظمة للمنشآت ذات الأغراض الخاصة وقواعد طرح الأوراق المالية والالتزامات المستمرة وقائمة المصطلحات المستخدمة في لوائح الهيئة وقواعدها"، بهدف تعميق سوق الصكوك وأدوات الدين في المملكة، وتحسين الإطار التنظيمي لعمليات التوريق ليكون محفزًا وممكنًا لها، وتعزيز تنوع المنتجات الاستثمارية المتاحة في السوق. وينتهي الاستطلاع على هذا المشروع بتاريخ 5 يونيو 2026.
لا تأتي خطوة طرح هذه المشاريع للاستطلاع من فراغ، بل ضمن منظومة تشريعية متكاملة تُلزم الجهات الحكومية بإشراك العموم في صياغة الأنظمة واللوائح ذات الطابع الاقتصادي والتنموي.
فقد نص قرار مجلس الوزراء على أنه "على الجهة الحكومية عند إعداد مقترح ذي صلة بالشؤون الاقتصادية والتنموية لمشروعات الأنظمة واللوائح وما في حكمها، أو تعديل النافذ منها، نشره على المنصة الإلكترونية الموحدة لاستطلاع آراء العموم والجهات الحكومية، بمدة لا تقل عن 30 يومًا"، مع منح الجهة المعنية صلاحية تمديد فترة الاستطلاع إذا رأت ذلك ضروريًا.
كما يُلزم القرار الجهات الحكومية بالاستفادة من نتائج الاستطلاع وملخصاتها، ونشر ملخص لأهم المرئيات والملاحظات التي أُبديت بشأن كل مشروع، بما يضمن الشفافية الكاملة في عملية صنع القرار التشريعي.
يُعدّ المركز السعودي للتنافسية والأعمال الجهة المشرفة على منصة "استطلاع"، وقد جاء تأسيسه بصيغته الحالية في 24 فبراير 2026، نتيجة دمج المركز الوطني للتنافسية مع المركز السعودي للأعمال الاقتصادية في كيان واحد.
ويتولى المركز عددًا من المهام المحورية، من بينها العمل على تحسين البيئة التنافسية في المملكة، والارتقاء بترتيبها في التقارير والمؤشرات العالمية ذات العلاقة، إلى جانب اقتراح الخطط الهادفة إلى رفع تنافسية المملكة في مختلف المجالات.
وقد ساهم المركز ضمن برنامج التحول الوطني، وبمشاركة 50 جهة حكومية، في تحقيق المملكة المركز الأول عالميًا في إصلاحات بيئة الأعمال بين 190 دولة ضمن مؤشر سهولة ممارسة الأعمال 2020 الصادر عن البنك الدولي.
تشارك في الموجة الحالية من الاستطلاع 17 جهة حكومية تمثل قطاعات متنوعة في الاقتصاد السعودي. ويعكس هذا التنوع شمولية المنظومة التنظيمية وتداخل الاختصاصات بين الجهات المختلفة، بما يسهم في إنتاج تشريعات متكاملة تتلافى التداخل والتضارب.
وتشمل القطاعات التي تعمل معها منصة "استطلاع" بشكل عام مجالات الصحة، والتعليم والعلوم، والعمل والرعاية الاجتماعية، والبيئة والزراعة والمياه، والسلطة القضائية وحقوق الإنسان، إلى جانب القطاعات الاقتصادية والمالية والتقنية.
تأتي هذه المبادرة ضمن السياق الأشمل لرؤية المملكة 2030، التي تولي أهمية قصوى لتحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات وتنويع مصادر الدخل. فالمشاركة المجتمعية في صنع القرار التشريعي تُعدّ ركيزة أساسية لبناء بيئة تنظيمية مستقرة وقابلة للتنبؤ، تُشجع المستثمرين المحليين والأجانب على ضخ رؤوس أموالهم في الاقتصاد السعودي.
ومن خلال إتاحة الفرصة للعموم والجهات الحكومية والقطاع الخاص لإبداء المرئيات والمقترحات حول هذه المشاريع، تسعى المنصة إلى ضمان توافق الأنظمة واللوائح الجديدة مع احتياجات السوق الفعلية، وتعزيز النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.
تكشف المقارنة بين الموجة الحالية من المشاريع المطروحة والموجات السابقة عن نشاط متصاعد للمنصة. ففي 21 أبريل 2026، طرحت المنصة 22 مشروعًا بالتعاون مع 14 جهة حكومية، قبل أن يرتفع العدد إلى 30 مشروعًا بالتعاون مع 17 جهة حكومية في الموجة الحالية المعلنة في 28 أبريل 2026.
كذلك تنوعت المشاريع المطروحة في الموجات السابقة لتشمل مجالات متعددة، من بينها تنظيمات تغطية وسرعات خدمات الاتصالات المتنقلة، واللوائح التنفيذية الخاصة بالمركبات ذاتية القيادة، وتعديل القواعد العامة لشهادة زمالة الهيئة السعودية للمقيّمين المعتمدين، وغيرها من المشاريع التي تواكب التطورات التقنية والاقتصادية.
تُعدّ هذه المبادرة فرصة قيمة للقطاع الخاص ومنظمات الأعمال للمشاركة في صياغة البيئة التشريعية التي ستعمل في إطارها. فالمشاريع المطروحة، خاصة تلك المتعلقة بالمناطق الاقتصادية الخاصة وسوق المال، تحمل تأثيرات مباشرة على الشركات والمستثمرين، مما يجعل مشاركتهم في الاستطلاع ذات قيمة حقيقية.
وتُتيح المنصة لأصحاب المصلحة الاطلاع على تفاصيل كل مشروع، وتقديم مرئياتهم بطريقة منظمة، مع ضمان دراسة هذه المرئيات من قبل الجهة الحكومية المعنية قبل اتخاذ القرار النهائي.
تختلف مواعيد انتهاء الاستطلاع على المشاريع المطروحة بحسب طبيعة كل مشروع وتعقيده، حيث تتراوح بين تواريخ في شهري مايو ويونيو 2026. فمشروعا "لائحة المنطقة الاقتصادية الخاصة بمدينة الملك عبدالله الاقتصادية" و"لائحة المنطقة الاقتصادية الخاصة للحوسبة السحابية والمعلوماتية" ينتهي الاستطلاع عليهما في 8 مايو 2026، بينما ينتهي الاستطلاع على مشروع تعديل قواعد هيئة السوق المالية في 5 يونيو 2026.
هذا التنوع في المواعيد يمنح المهتمين فرصة كافية لدراسة كل مشروع بعمق وتقديم مرئيات مدروسة، بدلًا من الاستعجال في إبداء الرأي.
تعكس مبادرة "استطلاع" بمختلف موجاتها توجهًا واضحًا نحو تبني نموذج تشريعي حديث يقوم على المشاركة والشفافية، يُسهم في ترسيخ مفهوم الحوكمة الرشيدة، ويبني جسور الثقة بين الحكومة والمجتمع.
وبينما تستمر المنصة في طرح المزيد من المشاريع للاستطلاع، تبقى الفاعلية الحقيقية لهذا الجهد مرهونة بمستوى التفاعل من جانب أصحاب المصلحة، وقدرة الجهات الحكومية على ترجمة هذه المرئيات إلى تعديلات حقيقية في النصوص النهائية للأنظمة واللوائح.
ومع استمرار العمل بهذه الآلية ضمن إطار رؤية المملكة 2030، يمكن القول إن السعودية تُرسخ تجربة قد تكون نموذجًا يُحتذى به في منطقة الشرق الأوسط في مجال إشراك المجتمع في صنع التشريعات الاقتصادية والتنموية، بما يُعزز من جاذبية بيئة الأعمال ويدعم التنمية المستدامة.