تقرير اقتصادي تحليلي – الإثنين 11 مايو 2026
في تطور لافت على صعيد أداء الشركات المدرجة في السوق المالية السعودية (تداول)، أعلنت شركة مدينة المعرفة الاقتصادية (KEC)، إحدى أبرز شركات التطوير العقاري في المملكة العربية السعودية، عن نتائجها المالية الأولية للربع الأول من عام 2026، التي حملت إشارات إيجابية تعكس مرحلة جديدة في مسيرة الشركة.
ووفقًا للبيانات المعلنة عبر منصة "تداول"، تمكنت الشركة من تقليص صافي خسارتها إلى 15.4 مليون ريال خلال الربع الأول من العام الجاري، مقارنة بخسارة بلغت 17.26 مليون ريال في الربع المماثل من عام 2025، بتراجع نسبته نحو 10.7%، وذلك بالتزامن مع نمو ملحوظ في الإيرادات.
هذه النتائج تكتسب أهميتها من كونها تأتي بعد سلسلة من الفصول التي شهدت تذبذبًا في أداء الشركة، حيث أظهرت بياناتها السابقة تحولًا للربحية في الربع الثالث من 2025، قبل أن تعود لتسجيل خسائر في الربعين الرابع من 2025 والأول من 2026، وإن جاءت بمعدلات منخفضة.
سجلت شركة مدينة المعرفة الاقتصادية صافي خسارة بلغت 15.4 مليون ريال خلال الربع الأول من 2026، مقابل 17.26 مليون ريال في الربع الأول من 2025، أي بتراجع قدره نحو 1.86 مليون ريال، أو بنسبة 10.7%.
بهذا الأداء، تكون الشركة قد رفعت إجمالي خسائرها المتراكمة إلى مستويات جديدة، بعد أن سجلت 423.5 مليون ريال بنهاية الربع الأول من 2025، ووصلت إلى 458.4 مليون ريال بنهاية عام 2025، وفقًا للبيانات السابقة.
سجلت الشركة في عام 2025 خسائر سنوية بلغت 34.9 مليون ريال، شملت خسائر الربع الرابع البالغة 8.2 مليون ريال. وعلى الرغم من ذلك، شهد العام أيضًا تحولًا للربحية في الربع الثالث بصافي ربح بلغ 28.24 مليون ريال، مما يدل على قدرة الشركة على تحقيق نتائج إيجابية في فصول معينة.
لفهم دلالات النتائج الحالية، يجدر استعراض المسار المالي للشركة خلال السنوات الأخيرة، الذي يكشف عن تذبذب يعكس طبيعة قطاع التطوير العقاري:
في عام 2020: بلغت خسائر الشركة 25 مليون ريال
في عام 2021: انخفضت إلى 22 مليون ريال
في عام 2022: ارتفعت إلى 45.5 مليون ريال
في عام 2023: استمرت الخسائر بمعدلات مرتفعة
في عام 2024: انخفضت بنسبة 54% إلى 21 مليون ريال، بدعم من ربح الربع الرابع البالغ 26.7 مليون ريال
في عام 2025: ارتفعت إلى 34.9 مليون ريال، رغم تحقيق ربح الربع الثالث
في الربع الأول 2026: بلغت 15.4 مليون ريال، بتراجع 10.7% عن الربع المماثل
هذا المسار يكشف عن تذبذب طبيعي في قطاع التطوير العقاري، يرتبط بدورات بيع الوحدات السكنية وتنفيذ المشاريع الكبرى.
تأسست شركة مدينة المعرفة الاقتصادية في عام 2009، بموجب قرار وزير التجارة والصناعة (وزارة التجارة حاليًا) رقم 122/29 وتاريخ 19 ربيع الثاني 1430هـ، وتم إدراجها في "تداول السعودية" في 9 أغسطس 2010 ضمن قطاع إدارة وتطوير العقارات بالرمز (4310).
ويبلغ رأسمال الشركة 3.393 مليار ريال، وهي إحدى المدن الاقتصادية الأربعة التي دشّنها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود (رحمه الله)، بهدف دعم مسيرة المملكة نحو التنوع الاقتصادي وخلق فرص العمل.
تقع المدينة في موقع استراتيجي وحيوي داخل النطاق العمراني للمدينة المنورة، على جانبي طريق الملك عبدالعزيز، الذي يربط بين المسجد النبوي الشريف ومحطة قطار الحرمين السريع، مما يمنحها أهمية خاصة كوجهة سياحية ودينية في الوقت ذاته.
تنفذ شركة مدينة المعرفة الاقتصادية عددًا من المشاريع التنموية والتجارية والسكنية والترفيهية، أبرزها:
من أبرز المشاريع الكبرى التي تنفذها الشركة، حيث وقّعت إحدى الشركات التابعة لها عقدين بقيمة 149 مليون ريال لتنفيذ هذا المشروع، الذي يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية للشركة في المدينة المنورة.
من المشاريع السكنية الكبرى التي تساهم في تحقيق إيرادات قوية للشركة، حيث وقّعت الشركة في أبريل 2024 عقدين مع شركة الخريجي للتجارة والمقاولات بقيمة 288.63 مليون ريال (لا تشمل ضريبة القيمة المضافة) لتنفيذ المشروع.
دخلت الشركة في شراكات استراتيجية لإدارة وتشغيل الفنادق، إذ وقّعت اتفاقية مع شركة "أركيبيلاجو الدولية" لتأسيس شركة متخصصة في إدارة وتشغيل الفنادق، إلى جانب توقيع 5 عقود لإدارة وتشغيل مجموعة فنادق.
وقّعت الشركة اتفاقية مع "ميزون بريفيه" لتأسيس شركة تأجير وحدات سكنية، في خطوة تستهدف تنويع مصادر الإيرادات.
حصلت شركة مدينة المعرفة الاقتصادية على عدد من التمويلات الكبيرة خلال الفترة الأخيرة، تعكس ثقة القطاع المصرفي في خططها التوسعية:
تمويل بنك الرياض: حصلت الشركة في نوفمبر 2025 على تمويل متوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية بقيمة 305 مليون ريال من بنك الرياض، لاستخدامه في تنفيذ المرحلة التالية من المشاريع.
تمويل مصرف الراجحي: حصلت في مايو 2025 على تمويل متوافق مع الشريعة الإسلامية من مصرف الراجحي بقيمة 150 مليون ريال.
تمويل البنك السعودي للاستثمار: حصلت في مارس 2025 على تمويل متوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية من البنك السعودي للاستثمار بقيمة 150 مليون ريال.
إجمالي هذه التمويلات يتجاوز 600 مليون ريال خلال أقل من عام، وهو ما يعكس قدرة الشركة على جذب التمويلات اللازمة لتنفيذ خططها الاستراتيجية.
يمكن إرجاع تقلص خسائر الشركة في الربع الأول من 2026 إلى عدة عوامل رئيسية:
شهدت إيرادات الشركة نموًا ملحوظًا، نتيجة بيع وحدات في المشاريع السكنية الجديدة، وعلى رأسها مشروع العلياء السكني. هذا النمو في الإيرادات كان عاملًا حاسمًا في تقليل صافي الخسارة.
اتجهت الشركة نحو تحسين الكفاءة التشغيلية، عبر إدارة أفضل للتكاليف والمصروفات، خاصة فيما يتعلق بالعمليات التشغيلية للمشاريع القائمة.
ساهم التنوع في مصادر الإيرادات (مبيعات الوحدات السكنية، إدارة الفنادق، تأجير الوحدات) في تقليل اعتماد الشركة على مصدر إيرادات واحد، مما عزز استقرار أدائها المالي.
بدأت الاستثمارات الكبيرة التي ضختها الشركة في السنوات الماضية تؤتي ثمارها تدريجيًا، حيث دخل عدد من المشاريع مرحلة الإنتاج وتحقيق العوائد.
تأتي هذه النتائج في سياق اقتصادي سعودي يتسم بنشاط ملحوظ في قطاع التطوير العقاري، يدعمه عدة عوامل:
تُسهم المشاريع الكبرى ضمن رؤية المملكة 2030 في تنشيط قطاع العقارات، خاصة في المدن المقدسة، مع التركيز على تطوير البنية التحتية والمرافق السياحية.
سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسعودية نموًا بنسبة 2.8% في الربع الأول من 2026 رغم الحرب الإيرانية، مما يعكس متانة الاقتصاد السعودي وقدرته على دعم القطاعات الحيوية.
تستفيد مدينة المعرفة الاقتصادية بشكل خاص من النمو القياسي في قطاع السياحة الدينية، حيث تستقبل المدينة المنورة ملايين الزوار سنويًا للعمرة والحج وزيارة المسجد النبوي.
شهد قطاع التمويل العقاري في المملكة نشاطًا قويًا، مع وجود الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري ومصرف الراجحي وغيرهما من المؤسسات المالية الكبرى التي تدعم القطاع.
على الرغم من التحسن الملحوظ في الأداء، تواجه الشركة عددًا من التحديات الجوهرية:
تمثل الخسائر المتراكمة (التي بلغت 458.4 مليون ريال بنهاية 2025) تحديًا كبيرًا، تعادل نسبة لا يستهان بها من رأس المال البالغ 3.393 مليار ريال، مما يتطلب جهودًا مكثفة لتحويل الأداء إلى ربحية مستدامة.
يعتمد جزء كبير من إيرادات الشركة على بيع الوحدات السكنية، وهي إيرادات متقلبة بطبيعتها، مما يجعل الأداء الفصلي عرضة للتذبذب.
ارتفعت ديون الشركة نتيجة التمويلات الكبيرة التي حصلت عليها، مما يعني ارتفاعًا متوقعًا في تكلفة خدمة الديون مستقبلًا.
يشهد قطاع التطوير العقاري في المدينة المنورة منافسة متزايدة، مع دخول عدد من اللاعبين الكبار في السوق.
تباينت قراءات المحللين الماليين لنتائج الشركة في الربع الأول من 2026:
يرى الفريق الأول أن تقلص الخسائر بنسبة 10.7% يمثل خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، ويعكس تحسنًا في الكفاءة التشغيلية ونمو الإيرادات. كما يشيرون إلى أن الشركة تتجه تدريجيًا نحو الربحية المستدامة، خاصة مع دخول مشاريعها الكبرى في مرحلة الإنتاج.
يرى الفريق الثاني أن استمرار الخسائر، حتى وإن تقلصت، يُعدّ إشارة سلبية، خاصة في ظل ارتفاع الخسائر المتراكمة. ويشيرون إلى أن الشركة بحاجة إلى تحقيق ربحية مستدامة لاستعادة ثقة المستثمرين بشكل كامل.
يرى الفريق الثالث أن تذبذب الأداء بين الربحية والخسارة هو سمة طبيعية لقطاع التطوير العقاري، وأن الحكم على أداء الشركة يجب أن يستند إلى الأداء السنوي وليس الفصلي.
شهد سهم شركة مدينة المعرفة الاقتصادية تقلبات ملحوظة في تداولات تداول السعودية خلال الفترة الأخيرة، نتيجة عدة عوامل، منها:
ويبقى السهم تحت متابعة حذرة من قبل المحللين والمستثمرين، خاصة مع اقتراب الشركة من تحقيق الربحية المستدامة.
في ضوء النتائج الحالية والمعطيات المتوفرة، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الشركة:
في حال استمرار الاتجاه الإيجابي في تقليص الخسائر، وبدء تحقيق إيرادات قوية من المشاريع الجديدة (خاصة مشروع جادة الإسلامي ومشاريع الفنادق)، قد تنجح الشركة في تحقيق ربحية سنوية مستدامة بحلول 2027.
استمرار التذبذب بين الربحية والخسارة من فصل لآخر، مع تحسن تدريجي في الأداء الإجمالي، وهو السيناريو الأرجح في ظل المعطيات الراهنة.
في حال تباطؤ نشاط القطاع العقاري أو تأخر إنجاز المشاريع، قد تستمر الخسائر بمعدلات معتدلة، مما يستدعي إعادة هيكلة استراتيجية الشركة.
تُمثل نتائج الربع الأول من 2026 لشركة مدينة المعرفة الاقتصادية صورة مختلطة، تجمع بين إشارات إيجابية تتمثل في تقلص الخسائر بنسبة 10.7%، وتحديات قائمة تتعلق بالخسائر المتراكمة وتذبذب الإيرادات. غير أن المسار العام يبدو واعدًا، خاصة في ظل المشاريع الكبرى التي تنفذها الشركة، والتمويلات الضخمة التي حصلت عليها، والشراكات الاستراتيجية مع جهات دولية متخصصة.
ويبقى الرهان الأكبر على قدرة إدارة الشركة على ترجمة هذه الاستثمارات والشراكات إلى إيرادات وأرباح مستدامة، تضع الشركة على المسار الصحيح نحو تحقيق رؤيتها كأحد أبرز محركات التنمية الاقتصادية في المدينة المنورة وأحد رواد التطوير العقاري في المملكة العربية السعودية.
وفي إطار السياق الأشمل لقطاع التطوير العقاري السعودي، يبدو أن الفرص أمام الشركة كبيرة، خاصة مع النمو القياسي في قطاع السياحة الدينية، والدعم القوي من المؤسسات المالية، والإصلاحات الهيكلية ضمن رؤية المملكة 2030. وما يحتاجه المستثمرون اليوم هو الصبر الاستراتيجي والمتابعة الدقيقة لتطورات الشركة في الفصول المقبلة، التي ستحدد ما إذا كانت ستنجح في تحويل المسار من خسائر متذبذبة إلى ربحية مستدامة.