تقرير اقتصادي تحليلي – الخميس 30 أبريل 2026
في إنجاز اقتصادي يحمل دلالات استراتيجية بالغة الأهمية، أعلنت الهيئة العامة للإحصاء في المملكة العربية السعودية أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة قد سجل نموًا بنسبة 2.8% خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وذلك وفقًا للتقديرات السريعة الصادرة اليوم الخميس.
هذا الإنجاز يأتي على الرغم من الظروف الإقليمية الاستثنائية التي شهدتها المنطقة، والمتمثلة في الحرب التي اندلعت في 28 فبراير الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما ترتب عليها من تداعيات ضخمة على الأنشطة الاقتصادية في المنطقة بأسرها، خاصة القطاع النفطي الذي تأثر بإغلاق مضيق هرمز ونقص الإمدادات.
إن نمو الاقتصاد السعودي بهذه النسبة في ظل ظروف استثنائية بهذا الحجم، يُعدّ شهادة على متانة البنية الاقتصادية للمملكة، ونجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي ضمن رؤية 2030 في تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن تفاصيل الأداء الاقتصادي حسب القطاعات الرئيسية، حيث جاءت كالتالي:
سجلت الأنشطة غير النفطية نموًا بنسبة 2.8% خلال الربع الأول من 2026، مما يؤكد دورها المحوري في دفع عجلة الاقتصاد السعودي. هذا النمو يأتي امتدادًا لأداء قوي حافظ عليه القطاع غير النفطي على مدى السنوات الخمس الماضية، وإن جاء بوتيرة أبطأ من الفصول السابقة.
سجلت الأنشطة النفطية نموًا بنسبة 2.3%، وهو رقم يعكس قدرة المملكة على المحافظة على مستويات إنتاجية معقولة على الرغم من إغلاق مضيق هرمز وتداعيات الحرب الإقليمية. ويعود هذا الأداء بشكل رئيسي إلى نجاح المملكة في توجيه صادراتها النفطية عبر ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، مستفيدة من خط أنابيب "بترولاين" (شرق-غرب) الذي تبلغ طاقته القصوى 7 ملايين برميل يوميًا.
ارتفعت الأنشطة الحكومية بنسبة 1.5% على أساس سنوي، وهو مؤشر يعكس استمرار الإنفاق الحكومي على المشاريع الكبرى ومبادرات رؤية 2030، التي تواصل دورها كمحرك أساسي للاقتصاد الوطني.
عند مقارنة أداء الربع الأول من 2026 بالفصول السابقة، تظهر صورة واضحة عن طبيعة التحول الذي يشهده الاقتصاد السعودي:
في 2025 ككل، حقق الاقتصاد السعودي نموًا قياسيًا بلغ 4.5%، وهو الأقوى منذ ثلاث سنوات.
في الربع الرابع من 2025، سجل الناتج المحلي الإجمالي نموًا بنسبة 5%، مدفوعًا بعودة قوية للقطاع النفطي.
في الربع الأول من 2026، تباطأ النمو إلى 2.8%، نتيجة الضغوط على القطاعين النفطي وغير النفطي بفعل الحرب الإيرانية.
ومقارنة بالأعوام السابقة، فقد شهد الاقتصاد السعودي مسارًا متذبذبًا، حيث بلغ النمو 12% في 2022 (السنة الذهبية للنفط)، قبل أن يتراجع إلى 0.5% في 2023، ثم ارتفع إلى 2.6% في 2024، قبل القفزة إلى 4.5% في 2025.
لا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن السياق الإقليمي المتفجر. فقد اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير 2026، مما أحدث صدمة كبيرة في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وكان من أبرز تداعيات هذه الحرب إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعدّ شريانًا حيويًا لنقل النفط الخليجي، حيث كانت تمر عبره يوميًا ملايين البراميل قبل اندلاع الصراع. وقد أدى هذا الإغلاق إلى:
نجحت المملكة العربية السعودية في الحفاظ على نمو إيجابي في وجه هذه العاصفة الإقليمية، وذلك بفضل عدة عوامل استراتيجية:
استطاعت المملكة الوصول إلى صادرات حجمها 5 ملايين برميل يوميًا عبر ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، مستفيدة من نقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز عبر خط أنابيب "بترولاين" (شرق-غرب) الذي تصل طاقته القصوى إلى 7 ملايين برميل يوميًا. وعلى الرغم من أن هذا الرقم يقل عن مستويات ما قبل الحرب التي كانت تتجاوز 7 ملايين برميل يوميًا، إلا أنه يمثل نجاحًا لافتًا في ظل الظروف الراهنة.
تعتمد السعودية على سياسات مالية مرنة، تستند إلى مفهوم "المستوى المتوسط" بدلًا من الاعتماد الكلي على دورة الإيرادات النفطية المتقلبة، وفقًا لما أشار إليه جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي.
نجحت رؤية المملكة 2030 في تنويع الإيرادات بعيدًا عن النفط الخام، مما خفف من تأثير تقلبات أسواق النفط على الاقتصاد. ويمثل القطاع غير النفطي وقطاع الخدمات والسياحة مكونات متنامية في الاقتصاد السعودي.
تتمتع المملكة باحتياطيات نقدية قوية تمنحها القدرة على امتصاص الصدمات وتمويل المشاريع الاستراتيجية دون التأثر الشديد بالأزمات قصيرة الأجل.
في تقريره الصادر في أبريل 2026 ضمن "آفاق الاقتصاد العالمي"، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي للعام الجاري بواقع 1.4 نقطة مئوية إلى 3.1%، نتيجة الحرب وانخفاض إنتاج النفط.
ومع ذلك، يبقى الاقتصاد السعودي بين أعلى دول مجموعة العشرين (G20) نموًا، حيث يأتي ضمن أسرع 6 اقتصادات نموًا في المجموعة، وثالث أسرع دولة نموًا في G20 العام المقبل، خلف الهند وإندونيسيا فقط.
أما بالنسبة لعام 2027، فقد توقع الصندوق انتعاش الاقتصاد السعودي لينمو بنسبة 4.5%، مما يعني رفع التوقعات بنحو 0.9 نقطة مئوية مقارنة بتوقعات يناير الماضي. ويُفترض هذا الانتعاش عودة إنتاج الطاقة وأسعار النقل إلى وضعهما الطبيعي خلال الأشهر المقبلة، وهو افتراض قد يحتاج إلى مراجعة إذا طالت مدة النزاع.
تكشف المؤشرات التفصيلية عن عناصر قوة في الاقتصاد السعودي خلال هذه الفترة الحرجة:
ارتفعت السياحة المحلية بنسبة 16%، مما يعكس قوة الطلب المحلي ومرونة قطاع السياحة في وجه التحديات الإقليمية، خاصة مع المشاريع السياحية الكبرى ضمن رؤية 2030.
سجل إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة قفزة بنسبة 33%، ليصل إلى 468 مليار ريال، مما يدل على نشاط قوي في هذا القطاع الحيوي للاقتصاد.
انخفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 7.2% بنهاية الربع الرابع من 2025، مقارنة بـ 7.5% في الربع السابق. كذلك بلغ معدل البطالة الإجمالي في المملكة 3.5%، مما يعكس استقرارًا في سوق العمل.
سجل مؤشر أسعار المستهلك ارتفاعًا سنويًا بنسبة 1.7% في فبراير 2026، وهو معدل تضخم معتدل يدل على استقرار الأسعار في المملكة.
حققت السعودية نموًا لافتًا في صادراتها غير النفطية التي ارتفعت قيمتها شاملة إعادة التصدير بنسبة 22.1% في يناير 2026، وهو رقم يدعم بقوة جهود تنويع الاقتصاد.
على الرغم من النمو المسجل، شهد القطاع الخاص غير النفطي تراجعًا في أدائه خلال شهر مارس، متأثرًا بتداعيات الحرب الإقليمية. ومن أبرز التحديات التي واجهها القطاع:
ومع ذلك، تبقى العوامل الأساسية داعمة للقطاع الخاص، حيث استمر توسع التوظيف، وظلت توقعات الأعمال إيجابية، مدعومة بالإنفاق الحكومي المستمر وبرامج التحول ضمن رؤية 2030.
أكدت وكالة "ستاندرد آند بورز" للتصنيف الائتماني في مارس 2026 على الإبقاء على التصنيف الائتماني السيادي للسعودية عند مستوى "A+/A-1"، مما يعكس ثقة الأسواق الدولية في متانة الاقتصاد السعودي وقدرته على تجاوز التحديات الراهنة.
كما نجح صندوق الاستثمارات العامة في طرح صكوك جديدة بنجاح كبير، حيث شهدت طلبًا مرتفعًا من المستثمرين الدوليين، مما يعكس قوة التصنيف الائتماني للصندوق ودوره الأساسي كمحرك للتحول الاقتصادي في المملكة.
أكد عدد من الخبراء الاقتصاديين أن المملكة تمضي بثبات في إدارة المشهد الاقتصادي رغم الضغوط، مستفيدة من سياسات مالية مرنة واحتياطيات قوية، إلى جانب بنية تحتية متقدمة وقدرات لوجستية تعزز استمرارية سلاسل الإمداد.
كذلك أشار خبراء إلى أن اقتصادات دول الخليج قد تحقق مكاسب مالية قصيرة الأجل نتيجة ارتفاع الإيرادات النفطية، إلا أن هذه المكاسب تظل مؤقتة، في ظل المخاطر الجيوسياسية التي تشمل تهديد المنشآت النفطية، وارتفاع تكاليف التأمين، واضطراب طرق التصدير.
في ظل الظروف الإقليمية الصعبة، يبرز الأداء السعودي كنموذج للمرونة الاقتصادية في المنطقة. فقد اعتبر صندوق النقد الدولي السعودية من أقل دول المنطقة تأثرًا بالحرب الإيرانية، بفضل قدرتها على توفير بدائل للتصدير، والتنوع الاقتصادي الذي حققته في السنوات الأخيرة.
وعلى الصعيد العالمي، تأتي السعودية بين أسرع 6 اقتصادات نموًا في مجموعة العشرين، وهو ما يعكس مكانتها المتقدمة كقوة اقتصادية صاعدة، ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل على المستوى الدولي أيضًا.
في ضوء المعطيات الراهنة، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الاقتصاد السعودي خلال الفترة المقبلة:
في حال انتهاء الحرب الإيرانية وعودة إنتاج النفط إلى مستوياته الطبيعية، قد ينتعش الاقتصاد السعودي بقوة، ليحقق النمو المتوقع البالغ 4.5% في 2027، مدفوعًا بعودة قطاع النفط وتسارع المشاريع الكبرى ضمن رؤية 2030.
استمرار الحرب الإقليمية بوتيرتها الحالية، مع إيجاد المملكة لطرق فعالة للتكيف، مما يبقي النمو في حدود 3-3.5% خلال 2026، مع تسارع تدريجي في 2027.
في حال تصاعد الحرب وإغلاق طرق نفطية إضافية، قد يتراجع النمو إلى مستويات أقل، إلا أن الاحتياطيات القوية والتنوع الاقتصادي سيمنعان حدوث انكماش حقيقي.
لا يمكن الحديث عن أداء الاقتصاد السعودي في 2026 دون استحضار الدور المحوري لرؤية 2030، التي بدأت تؤتي ثمارها بشكل واضح في هذه المرحلة الحرجة. فمن أبرز إنجازات الرؤية حتى الآن:
كل هذه العناصر شكلت درعًا واقية للاقتصاد السعودي في وجه الصدمات الإقليمية، وحولته من اقتصاد ريعي تقليدي إلى اقتصاد متنوع قادر على الصمود.
انعكس النمو الإيجابي للاقتصاد السعودي على أسواق المال، حيث:
يُمثل نمو الاقتصاد السعودي بنسبة 2.8% في الربع الأول من 2026 إنجازًا اقتصاديًا لافتًا في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة الصعوبة. هذا الأداء يعكس بوضوح:
أولًا، نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي ضمن رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، مما منح المملكة مرونة في مواجهة الصدمات الخارجية.
ثانيًا، فعالية السياسات المالية والنقدية للمملكة، التي تمكنت من إدارة المرحلة الراهنة بحكمة، مع المحافظة على استقرار الأسعار وأسواق المال.
ثالثًا، قوة البنية التحتية السعودية، خاصة في قطاع النفط، التي مكنت المملكة من إيجاد طرق بديلة للتصدير عبر ميناء ينبع وخط أنابيب بترولاين.
رابعًا، الثقة الدولية في الاقتصاد السعودي، التي تعكسها التصنيفات الائتمانية المرتفعة، والإقبال القوي على الإصدارات السيادية وصكوك صندوق الاستثمارات العامة.
ومع استمرار التحديات الإقليمية، يبقى الاقتصاد السعودي مرشحًا للحفاظ على مكانته بين أسرع اقتصادات مجموعة العشرين نموًا، مع توقعات بانتعاش قوي في 2027 إذا استقرت الأوضاع الإقليمية. وفي كل الأحوال، قدمت المملكة خلال هذه المرحلة نموذجًا يُحتذى به للمرونة الاقتصادية والقدرة على التكيف مع المتغيرات، يستحق الدراسة والتأمل من قبل صانعي السياسات في الدول الأخرى.