واصل الدولار الأمريكي تسجيل مكاسب قوية أمام الجنيه المصري خلال تعاملات الإثنين 9 مارس 2026، حيث صعد زوج الدولار الأمريكي/الجنيه المصري USD/EGP إلى نحو 52.78، مسجلًا ارتفاعًا بنحو 1.25% مقارنة بالجلسة السابقة، في واحدة من أسرع موجات تراجع العملة المحلية منذ بداية العام، بعدما فقد الجنيه نحو 5 جنيهات منذ اندلاع التوترات الإقليمية الأخيرة.
وخلال الشهر الماضي، فقد الجنيه المصري نحو 12.8% من قيمته، بينما تراجع بنحو 4.4% على أساس سنوي، مع تسارع الضغوط على سوق الصرف منذ اندلاع الحرب الإقليمية المرتبطة بإيران.
وفي البنوك المحلية، سجل الدولار مستويات متقاربة قرب أعلى مستوياته التاريخية، حيث بلغ السعر في البنك الأهلي المصري نحو 52.73 جنيه للشراء و52.83 جنيه للبيع، بينما سجل بنك مصر والبنك التجاري الدولي مستويات مماثلة قرب 52.74 و52.84 جنيه.
كما سجلت بعض البنوك أعلى مستويات اليوم، حيث بلغ السعر في بنك قناة السويس ومصرف أبوظبي الإسلامي نحو 52.80 جنيه للشراء و52.90 جنيه للبيع.
وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري تسجيل الدولار نحو 52.72 جنيه للشراء و52.86 جنيه للبيع بنهاية التعاملات.
يعود التراجع السريع للجنيه المصري خلال هذا الأسبوع إلى مزيج من العوامل المحلية والعالمية التي تضغط على العملة المصرية، في مقدمتها التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتسارع خروج رؤوس الأموال الأجنبية من الأسواق الناشئة.
فمنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 فبراير وارتفاع درجة عدم اليقين في الأسواق المالية العالمية، بدأت الاستثمارات الأجنبية في تقليص تعرضها لأدوات الدين المصرية - وهي استثمارات تعتمد بشكل كبير على فروق أسعار الفائدة المرتفعة - والانتقال إلى أصول أكثر أمانًا مثل الدولار وسندات الخزانة الأمريكية.
وتشير البيانات إلى أن التخارجات من أدوات الدين المصرية بلغت نحو 4.4 مليار دولار منذ 19 فبراير، بينما قفزت تعاملات سوق الإنتربنك إلى نحو 1.1 مليار دولار خلال جلسة الإثنين مقارنة بنحو 639 مليون دولار الأسبوع الماضي، ما يعكس ارتفاع الطلب على الدولار بين البنوك.
وتظهر بيانات السوق أيضًا أن حجم التداول في سوق الإنتربنك - وهو السوق الذي تتعامل فيه البنوك المصرية مع بعضها لتوفير السيولة الدولارية - بلغ نحو 3.4 مليار دولار منذ اندلاع الحرب، وهو ما يعكس زيادة الطلب على الدولار لتغطية عمليات تخارج المستثمرين الأجانب وتمويل احتياجات السوق.
ويرى محللون أن هذا التراجع يعكس حساسية الاقتصاد المصري للتطورات الإقليمية، خاصة أن البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجاتها من الطاقة والسلع الأساسية.
كما تزايدت المخاوف من انعكاسات الحرب على مصادر العملة الصعبة في مصر. فالتوترات في المنطقة قد تؤثر على حركة الملاحة في قناة السويس، كما قد تضغط على قطاع السياحة وتزيد تكلفة واردات الطاقة في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز. هذه العوامل تدفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر المرتبطة بالاقتصاد المصري، وهو ما ينعكس سريعًا في سوق الصرف.
ولا يقتصر الضغط على خروج الأموال الساخنة فقط، إذ تلعب عوامل إضافية دورًا في زيادة الطلب على الدولار، من بينها سداد التزامات دولارية مستحقة على الحكومة والبنك المركزي، وارتفاع تكلفة استيراد بعض السلع والطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط واحتمالات اضطراب الإمدادات في حال إغلاق مضيق هرمز.
كما أن الطبيعة الهيكلية للاقتصاد المصري تزيد من حساسيته لهذه الصدمات. فمصر تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي وتدفقات المحافظ الاستثمارية لتغطية فجوة تمويلية سنوية، كما تعتمد على الواردات لتلبية جزء كبير من احتياجاتها من الغذاء والطاقة. وعندما تتراجع هذه التدفقات أو ترتفع فاتورة الواردات، يزداد الطلب على الدولار في السوق المحلية، ما يؤدي إلى تراجع الجنيه وفق آلية العرض والطلب في ظل نظام سعر الصرف المرن.
وبذلك فإن الهبوط السريع للجنيه هذا الأسبوع يعكس تفاعل عدة عوامل متزامنة: تخارج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين، وارتفاع الطلب على الدولار في سوق الإنتربنك، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط. هذه العوامل مجتمعة دفعت العملة المصرية إلى واحدة من أسرع موجات التراجع منذ بدء تطبيق نظام سعر الصرف المرن في مارس 2024.
تتزايد المخاوف من أن يؤدي تصاعد الحرب إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية، وهو عامل قد يضيف ضغوطًا إضافية على الاقتصاد المصري وسعر الصرف.
فقد حذر وزير الطاقة القطري مؤخرًا - في تصريح لصحيفة فاينانشال تايمز - من احتمال ارتفاع أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة إذا استمرت الاضطرابات في منطقة الخليج وتعطل مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
بالنسبة لمصر، قد يؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة فاتورة واردات الطاقة، خاصة مع تعطل بعض إمدادات الغاز الإقليمية، ما قد يدفع التضخم إلى الارتفاع ويزيد الضغوط على الجنيه المصري.
ويعمل هذا المسار عادة عبر ثلاث قنوات رئيسية، تبدأ بارتفاع تكلفة استيراد الطاقة، بالتالي ارتفاع التضخم المحلي، ونتيجة لذلك، يزداد الطلب على الدولار لتغطية الواردات.. وهو ما يضغط بدوره على سعر الصرف.
على المستوى العالمي، يواصل الدولار الاستفادة من الطلب على الملاذات الآمنة في ظل الحرب في الشرق الأوسط، حيث ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) إلى نحو 99.10 خلال تعاملات الإثنين.
ويعكس هذا الأداء عودة المستثمرين إلى الدولار مع ارتفاع المخاطر الجيوسياسية وتقلب الأسواق العالمية، وهو ما يضغط بدوره على عملات الأسواق الناشئة ومن بينها الجنيه المصري.
فنيًا، يظهر زوج الدولار الأمريكي/الجنيه المصري USD/EGP اتجاهًا صاعدًا قويًا خلال الفترة الأخيرة، بعد موجة ارتفاع حادة دفعت الدولار إلى تسجيل قمم قياسية جديدة مقابل الجنيه. وتشير معظم المؤشرات الفنية إلى استمرار الزخم الإيجابي للعملة الأمريكية في المدى القريب، مع بقاء الزوج عرضة لمزيد من التقلبات خلال الفترة المقبلة.
تعكس المتوسطات المتحركة هذا الاتجاه بوضوح، إذ تشير المتوسطات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل إلى إشارات شراء قوية، مع تفوق السعر الحالي للدولار على متوسطاته خلال فترات زمنية مختلفة، وهو ما يعكس قوة الاتجاه الصاعد الحالي للزوج.
ومن حيث المستويات الفنية المهمة،تحول مستوى 52.00 الآن إلى دعم فني رئيسي قصير الأجل ونقطة محورية في السوق بعد اختراقه خلال موجة الصعود الأخيرة، إذ قد يتحول هذا المستوى إلى منطقة دعم رئيسية في حال استمرار التداول فوقه.
وفي حال استمرار الزخم الحالي، يراقب المتداولون احتمال امتداد الحركة الصعودية نحو مستويات أعلى، حيث أصبحت منطقة 52.90 - 53.00 حاجز نفسي رئيسي، يليه 53.50. بينما قد يظهر أول دعم قريب في حال حدوث تصحيح فني محدود نتيجة التشبع الشرائي.
وبشكل عام، تشير المؤشرات الفنية إلى أن الاتجاه الصاعد لزوج الدولار/الجنيه المصري USD/EGP لا يزال قائمًا على المدى القصير، مدعومًا بقوة الطلب على الدولار في السوق، رغم احتمالات حدوث تحركات تصحيحية محدودة بعد الارتفاعات الحادة الأخيرة.