هذا ما تحتاج إلى معرفته للتداول اليوم الأربعاء 15 يوليو:
تتعامل الأسواق العربية مع تطوّرٍ لافت خفّف جانباً من حدّة التصعيد: فقد تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مطلبه بفرض رسمِ عبورٍ بنسبة 20% على البضائع المارّة عبر مضيق هرمز، معلناً أنه قرّر — بناءً على "محادثاتٍ مثمرة للغاية مع قيادات الشرق الأوسط" — استبدال الرسم بصفقات تجارةٍ واستثمارٍ ستضخّها دول الخليج في الولايات المتحدة. وجاء التراجع بعد موجة رفضٍ دولية واسعة، إذ أكّدت المنظمة البحرية الدولية أنه "لا أساس قانوني" لفرض رسومٍ إلزامية.
في المقابل، لم يتراجع التصعيد العسكري. فقد دخل الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية حيّز التنفيذ مساء الثلاثاء، وأعلنت القيادة المركزية شنّ موجةٍ جديدة من الضربات استهدفت عشرات الأصول العسكرية قرب المضيق — شملت منشآت الصواريخ والمسيّرات والأصول البحرية ومنظومات الدفاع الساحلي. وهدّد ترامب عبر "فوكس نيوز" بمواصلة الضربات، ملوّحاً باستهداف محطات الكهرباء والجسور الأسبوع المقبل ما لم تعد طهران إلى طاولة التفاوض. ويبقى هذا المسار هو المحرّك الأول لأسواق المنطقة اليوم.
يُعدّ النفط شريان الإيرادات في دول الخليج والمحرّك الرئيس لأسواقها، وقد واصل صعوده لليوم الثالث على التوالي وإن بوتيرةٍ أهدأ. ارتفع خام برنت نحو 0.7% إلى قرابة 85.3 دولاراً للبرميل، فيما صعد الخام الأمريكي غرب تكساس الوسيط نحو 0.45% إلى حدود 79.7 دولاراً، بعد أن أغلقا أمس عند 84.73 و79.34 دولاراً على التوالي. وبذلك يكون برنت قد قفز نحو 11% خلال جلستين، مقترباً من أعلى مستوى له في شهر، بعد رحلةٍ استثنائية أخذته من نحو 120 دولاراً في ذروة الحرب إلى قرابة 70 دولاراً عقب اتفاق 17 يونيو، ثم عودته فوق 85 دولاراً مع إغلاق هرمز مجدداً.
وتزداد مخاوف الإمدادات مع تصاعد الحوادث البحرية: فقد أعلنت "أدنوك" الإماراتية تعرّض ناقلتين لها لصواريخ كروز إيرانية في الممرّ الجنوبي داخل المياه العُمانية، ما أسفر عن مقتل بحّار هندي وإصابة ثمانية آخرين، فيما هبطت حركة الناقلات عبر المضيق إلى أدنى مستوى في شهرين. ويرى محلّلون أن السوق يوازن بين علاوة المخاطر الجيوسياسية من جهة، وضعف الطلب وتحسّن رؤية المعروض من جهةٍ أخرى — خصوصاً بعد رفع أوبك+ حصص أغسطس 188 ألف برميل يومياً في خامس زيادةٍ متتالية — مع ترجيح نطاقٍ يتراوح بين 74 و95 دولاراً لبرنت خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة.
أغلقت معظم البورصات الخليجية جلسة الأمس على تراجع مع إعادة فرض الحصار وتكثيف الضربات. فقد هبط السوق السعودي (تاسي) بنحو 0.8% متأثراً بتراجع مصرف الراجحي 1.7%، رغم صعود سهم عملاق الطاقة أرامكو 1.4% مستفيداً من قفزة النفط، فيما أطلقت جماعة الحوثي صواريخ باتجاه المملكة. وتراجع مؤشر دبي 1.3% رغم ارتفاع بنك الإمارات دبي الوطني 2.7%، ونزل مؤشر أبوظبي 0.5%. وخارج الخليج، فقد المؤشر القيادي للبورصة المصرية 0.6% متأثراً بهبوط البنك التجاري الدولي 1.4%.
وتُعدّ هذه الأسواق من الأقوى اقتصادياً في المنطقة العربية، مسنودةً بفوائض مالية وأصولٍ سيادية ضخمة تمنحها قدرةً أكبر على امتصاص الصدمات. ويبقى أداؤها محكوماً بمعادلةٍ مزدوجة: فارتفاع النفط يسند أسهم الطاقة وإيرادات الموازنات، بينما تعمّق حوادث الناقلات وتراجع حركة الملاحة القلقَ حيال التجارة البحرية والقطاعات الحسّاسة كالعقار والبنوك والطيران واللوجستيات. وتتّجه الأنظار إلى موسم نتائج الربع الثاني الجاري، إذ قد تسهم أرباح الشركات القيادية القوية في تعويض جانبٍ من الضغوط الجيوسياسية.
واصل الجنيه المصري تراجعه أمام الدولار متأثراً بالتصعيد الإقليمي، ليستقرّ فوق مستوى 50.6 جنيه في بداية تعاملات اليوم الأربعاء. وسجّل الدولار في البنك المركزي المصري نحو 50.64 جنيه للشراء و50.78 جنيه للبيع، وفي البنكين الأهلي ومصر عند 50.67/50.77 جنيه، وهو المستوى ذاته في بنكَي الإسكندرية والتجاري الدولي، فيما سجّل مصرف أبوظبي الإسلامي وبنك قناة السويس أعلى الأسعار قرب 50.70/50.80 جنيه.
ويعكس هذا المسار خروج المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المصرية عقب إغلاق هرمز، وارتفاع الطلب العالمي على الدولار كملاذٍ آمن، إضافةً إلى ارتفاع فاتورة الطاقة المتوقّعة مع قفزة النفط، وهو ما محا جانباً من مكاسب الجنيه التي دفعته دون 49 جنيهاً مطلع يوليو للمرة الأولى منذ أواخر 2024. ومع ذلك، يظلّ الجنيه مسنوداً بأساسياتٍ قوية تحدّ من تراجعه، أبرزها الاحتياطيات القياسية عند نحو 55.07 مليار دولار، وتراجع التضخّم إلى 14.3% في يونيو، وتحسّن عجز ميزان المدفوعات الكلي إلى نحو 1.8 مليار دولار. ويبقى الاتجاه القادم رهيناً بمسار الأزمة الإقليمية وعودة تدفّقات النقد الأجنبي.
عالمياً، تعافت الأسهم الأمريكية في جلسة الأمس مع تراجع ترامب عن رسم العبور وقوة نتائج البنوك: فصعد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.38% إلى 7,543.59 نقطة، وارتفع ناسداك المجمّع 0.9% إلى 26,107.01 نقطة، فيما قفز سهم "جولدمان ساكس" 9% بعد أرباحٍ فاقت التوقعات. وتتركّز الأنظار الآن على بيانات التضخّم الأمريكية وشهادة رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، وهما عاملان قد يعيدان رسم توقّعات الفائدة وشهية المخاطرة عالمياً بما ينعكس على أسواق الخليج — خصوصاً بعد أن قفزت رهانات رفع الفائدة في يوليو إلى نحو 50% مع تجدّد مخاوف التضخّم الناجمة عن قفزة الطاقة.
تتركّز أنظار المتعاملين على أربعة محاور: أولاً، هل يفتح تراجع ترامب عن رسم العبور باباً لتهدئةٍ أوسع، أم يمضي التصعيد نحو استهداف محطات الكهرباء والجسور كما هدّد؟ وما ردّ طهران على الحصار؟ ثانياً، أداء برنت قرب 85 دولاراً وحوادث الناقلات وحركة الملاحة في هرمز وأثرها على أسهم الطاقة وموازنات الخليج. ثالثاً، أداء البورصات الخليجية وموسم نتائج الربع الثاني. ورابعاً، مسار الجنيه المصري فوق 50 جنيهاً، إضافةً إلى بيانات التضخّم الأمريكية وشهادة رئيس الفيدرالي.
وفي المحصّلة، تتعامل الأسواق العربية مع مشهدٍ مزدوج: تنازلٌ أمريكيّ عن رسم العبور يخفّف التوتر التجاري، يقابله حصارٌ بحريّ وضربات متواصلة تُبقي علاوة المخاطر مرتفعة. نفطٌ يصعد لليوم الثالث، وبورصاتٌ تحت الضغط باستثناء الطاقة، وجنيهٌ يتراجع رغم متانة أساسياته. ويبقى مسار التصعيد أو احتواؤه — ومصير الملاحة في هرمز — العنوان الأكبر الذي سيرسم اتجاه الأسواق في الأيام المقبلة.