أظهر القطاع الخاص غير النفطي في مصر بعض الإشارات المحدودة على التحسن خلال مايو، لكن الضغوط التضخمية الحادة واستمرار ضعف الطلب أبقت النشاط الاقتصادي في منطقة الانكماش للشهر الخامس على التوالي، في إشارة إلى استمرار الضغوط على نشاط القطاع الخاص خلال الربع الثاني من 2026.
وارتفع مؤشر مديري المشتريات (PMI) الصادر عن ستاندرد آند بورز جلوبال إلى 47.1 نقطة في مايو من 46.6 نقطة في أبريل، ليسجل أعلى قراءة في ثلاثة أشهر، لكنه ظل دون مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش، بما يعكس استمرار تدهور أوضاع الأعمال وإن كان بوتيرة أبطأ مقارنة بالشهر السابق.
وجاء التحسن النسبي مدفوعًا بعودة نشاط قطاعي التصنيع والإنشاءات إلى منطقة النمو، إلى جانب زيادة المخزونات بأسرع وتيرة منذ نحو ثلاث سنوات، في إشارة إلى اتجاه الشركات نحو التحوط من زيادات الأسعار المتوقعة واضطرابات الإمدادات المستمرة.
ورغم ذلك، بقي الطلب المحلي تحت ضغط واضح، مع تراجع الطلبات الجديدة للشهر الخامس على التوالي، قرب أضعف مستوياتها في 37 شهرًا، في ظل تأثير التضخم المرتفع على القوة الشرائية للعملاء وارتفاع تكاليف التشغيل على الشركات.
كما أظهر المسح استمرار انكماش الإنتاج خلال مايو، وإن بوتيرة أقل مقارنة بأبريل، بينما تحمل قطاعا الجملة والتجزئة والخدمات النصيب الأكبر من التراجع، مقابل تحسن محدود في قطاعي الصناعة والبناء.
وضغطت التكاليف المرتفعة بقوة على نشاط الشركات، إذ تسارع تضخم أسعار مستلزمات الإنتاج للشهر الرابع على التوالي ليسجل أعلى مستوى منذ يناير 2023، مدفوعًا بارتفاع أسعار الوقود والكهرباء، وضعف الجنيه المصري، وارتفاع تكاليف الاستيراد، إلى جانب أقوى ضغوط على الأجور منذ يناير 2018.
ودفعت تلك الضغوط الشركات إلى تمرير جزء كبير من التكاليف إلى المستهلكين عبر زيادات شبه قياسية في أسعار البيع، في محاولة لحماية هوامش الأرباح التي تعرضت لضغوط متزايدة خلال الأشهر الأخيرة.
في المقابل، شهد سوق العمل تدهورًا ملحوظًا، بعدما خفضت الشركات أعداد العاملين لديها بأسرع وتيرة منذ يونيو 2020، مع لجوء بعض الشركات إلى تسريح العمالة بشكل مباشر أو الامتناع عن تعويض الموظفين المغادرين، في ظل ضعف المبيعات وارتفاع الأعباء التشغيلية.
ووفقًا للتقرير: "شهدت الشركات المصرية غير المنتجة للنفط انكماشًا قويًا في التشغيل خلال شهر مايو، حيث أدت ضغوط التضخم المتصاعدة إلى تقييد الطلب. وقد ارتفعت أسعار مستلزمات الإنتاج بأسرع وتيرة منذ شهر يناير 2023، مدفوعة بارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء إلى جانب انخفاض قيمة العملة".
كما تدهورت ظروف سلاسل الإمداد بشكل حاد خلال مايو، مع تسجيل فترات التسليم أطول زيادة منذ ما يقرب من أربع سنوات، وسط استمرار اضطرابات الشحن المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتقلبات تكاليف النقل العالمية.
وتعليقًا على التقرير، قال ديفيد أوين، كبير الاقتصاديين لدى ستاندرد آند بورز جلوبال ماركت إنتلجنس، إن الشركات المصرية اتخذت خلال مايو "إجراءات ملموسة" لمواجهة تصاعد الضغوط التضخمية، كان أبرزها رفع الأسعار وتسريع وتيرة خفض العمالة، مضيفًا أن استمرار التوترات الإقليمية قد يضغط على نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني من 2026.
ورغم الصورة التشغيلية الضعيفة، تحسنت ثقة الشركات المستقبلية إلى أعلى مستوى منذ أغسطس 2024، مع تعليق الشركات آمالها على تحسن الأوضاع الاقتصادية واستقرار سوق الصرف خلال الأشهر المقبلة، رغم استمرار المخاوف المرتبطة بالتضخم وارتفاع التكاليف.
وتعكس بيانات مايو استمرار التحديات التي تواجه جهود التعافي الاقتصادي في مصر، خاصة مع تداخل الضغوط المحلية المرتبطة بالتضخم وسعر الصرف مع المخاطر الخارجية الناتجة عن اضطرابات التجارة والشحن في المنطقة.
وعلى صعيد سوق الصرف، ارتفع زوج الدولار/الجنيه المصري USD/EGP بشكل طفيف خلال تعاملات الأربعاء، ليتداول قرب مستوى 51.99 جنيه، بزيادة تقارب 0.27% مقارنة بالجلسة السابقة، بينما استقر السعر الرسمي للدولار لدى البنك المركزي المصري قرب 51.80 جنيه للشراء و51.94 جنيه للبيع. وتأتي تحركات الجنيه في وقت تزيد فيه ضغوط الأسعار وضعف العملة من أعباء القطاع الخاص، بحسب بيانات مؤشر مديري المشتريات.
ورغم التراجع النسبي للضغوط على الجنيه خلال الأسابيع الأخيرة، مدعومًا بتحسن تحويلات المصريين بالخارج وارتفاع الاحتياطيات الأجنبية إلى مستويات قياسية تجاوزت 52.8 مليار دولار، لا تزال العملة المحلية تواجه ضغوطًا مرتبطة بارتفاع فاتورة الواردات والتوترات الإقليمية واستمرار الضغوط التضخمية على الاقتصاد المحلي.