هذا ما تحتاج إلى معرفته للتداول اليوم الثلاثاء 9 يونيو:
تفتتح الأسواق العربية الجلسة على وقع تحوّلٍ لافت في المزاج العام من التصعيد نحو التهدئة. فبعد نهاية أسبوعٍ مشحونة شهدت تبادلاً للضربات بين إيران وإسرائيل هو الأول منذ هدنة أبريل، أبلغت وزارة الخارجية الإيرانية أن طهران أوقفت عملياتها العسكرية ضد إسرائيل، فيما أكّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن البلدين قريبان من وقفٍ جديد لإطلاق النار وأن هناك تقدّماً في المسار بين واشنطن وطهران، ملمّحاً إلى احتمال التوصّل إلى تهدئةٍ "فورية". وأشارت إسرائيل بدورها إلى التزام الهدوء في الوقت الراهن. هذا التحوّل بدّد جانباً من المخاوف التي دفعت النفط إلى القفز بحدّة مطلع الأسبوع، وأعاد إلى الأسواق بعض الثقة في إمكان استئناف صادرات الخليج تدريجياً عبر مضيق هرمز.
غير أن التهدئة تبقى هشّة. فقد حذّرت طهران من أنها ستستأنف الأعمال العدائية إذا واصلت إسرائيل هجماتها في لبنان، ما يُبقي علاوة المخاطر الجيوسياسية حاضرةً في تسعير الأصول الإقليمية. ويبقى هذا المسار هو المحرّك الأول لأسواق المنطقة اليوم، يفوق في تأثيره البيانات الاقتصادية، إذ إن أي انتكاسةٍ نحو التصعيد قد تعيد قلب اتجاه النفط والعملات والأسهم سريعاً.
يُعدّ النفط شريان الإيرادات في دول الخليج والمحرّك الرئيس لأسواقها، ولذا تبدأ منه قراءة الجلسة. بعد أن تجاوز خام برنت مستوى 98 دولاراً في ذروة التصعيد مطلع الأسبوع، تراجع إلى نحو 93 دولاراً للبرميل، مغلقاً جلسة الأمس مرتفعاً بنسبة 1.25% عند 94.25 دولاراً، في حين أضاف الخام الأمريكي غرب تكساس الوسيط نحو 0.84% ليستقرّ قرب 91.30 دولاراً. ويعكس هذا الانكفاء من القمم تراجع علاوة المخاطر مع إشارات التهدئة، وإن بقي السعر مدعوماً ببقاء مضيق هرمز شبه مغلقٍ أمام الملاحة، الذي يمرّ عبره نحو خُمس النفط والغاز المسال في العالم.
وعلى صعيد العرض، أقرّ تحالف أوبك+ زيادةً جديدة في حصص الإنتاج لشهر يوليو بمقدار 188 ألف برميل يومياً رغم استمرار مخاطر الإمدادات، كما حدّ من ضغوط الأسعار تراجعٌ حادّ في واردات الصين التي اعتمدت على مخزوناتها بدل الشراء من الخارج منذ بداية النزاع. ويبقى المشهد متأرجحاً بين عرضٍ إضافي يكبح الأسعار وهدنةٍ هشّة قد تنقلب في أي لحظة.
دخلت معظم أسواق الأسهم الخليجية الأسبوع تحت ضغطٍ نتيجة التصعيد في عطلة نهاية الأسبوع، مع ميل المستثمرين إلى الحذر وجني الأرباح. وتُعدّ هذه الأسواق من بين الأقوى اقتصادياً في المنطقة العربية، مدعومةً بفوائض مالية وأصولٍ سيادية ضخمة، ما يمنحها قدرةً أكبر على امتصاص الصدمات.
ويتحرّك السوق السعودي (تاسي) قرب مستوى 11 ألف نقطة، بعد أن فقدت قيمته السوقية نحو 172.4 مليار ريال خلال الأسبوع الماضي، فيما استقرّت نسبة ملكية الأجانب قرب 4.65%، وهو ما يعكس استمرار الترقّب الحذر بانتظار وضوح مسار الأزمة. ويبقى أداء البورصات الخليجية محكوماً بمعادلةٍ مزدوجة: ارتفاع أسعار النفط يدعم أسهم الطاقة وميزانيات الدول المصدّرة، بينما يدفع التصعيد الجيوسياسي نحو ضغطٍ على القطاعات الحسّاسة للمخاطر كالعقار والبنوك. ومن شأن ترسّخ آمال التهدئة اليوم أن يساعد على استقرار المؤشرات بعد ضغوط بداية الأسبوع.
عاد الدولار الأمريكي إلى الصعود أمام الجنيه المصري خلال تعاملات اليوم الثلاثاء، إذ سجّل في البنك المركزي المصري نحو 52.09 جنيه للشراء و52.23 جنيه للبيع، وتراوح في البنوك الكبرى (الأهلي ومصر) قرب 52.10 جنيه للشراء و52.20 جنيه للبيع، بزيادةٍ راوحت بين 28 و40 قرشاً عن إغلاق أمس في أكثر من عشرة بنوك. وسجّل مصرف أبوظبي الإسلامي أعلى الأسعار قرب 52.25/52.35 جنيه، بينما بلغ الريال السعودي نحو 13.85 جنيه. ويأتي هذا التراجع للجنيه وسط ترقّب الأسواق لتداعيات التوترات الجيوسياسية في المنطقة، التي تدفع المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على عملات الأسواق الناشئة.
ويبقى الجنيه محكوماً بتوازنٍ دقيق: فمن جهةٍ تضغط عليه ملاذيّة الدولار وضغوط الطلب على العملة الصعبة، ومن جهةٍ أخرى يسنده استمرار أسعار الفائدة المرتفعة في مصر وتباطؤ التضخّم تدريجياً، ما يجعل اتجاهه القادم رهيناً بمسار الأزمة الإقليمية وقرارات السياسة النقدية.
تتركّز أنظار المتعاملين على أربعة محاور حاسمة خلال الجلسة: أولاً، مدى صمود التهدئة الوليدة بين إيران وإسرائيل وأي إشارةٍ إلى انتكاسةٍ نحو التصعيد، خصوصاً على الجبهة اللبنانية. ثانياً، أداء برنت حول مستوى 94 دولاراً واحتمال عودة الزخم الهابط مع تبدّد علاوة الحرب أو ارتداده صعوداً إذا تجدّد التوتر، إضافةً إلى أي مؤشّرٍ على إعادة فتح مضيق هرمز. ثالثاً، البيانات الأمريكية ومسار الفائدة والدولار قبيل صدور أرقام التضخّم هذا الأسبوع. ورابعاً، تدفّقات السيولة نحو الأسواق الناشئة وانعكاسها على عملاتها، وفي مقدّمتها الجنيه المصري.
وفي المحصّلة، تبدأ الأسواق العربية الجلسة وهي تميل إلى الارتياح الحذر: نفطٌ يتراجع من قممه، وآمالٌ بتهدئةٍ تعيد الإمدادات تدريجياً، يقابلها هشاشةُ الهدنة وضغوطٌ على العملات الناشئة. ويبقى مصير وقف إطلاق النار العنوان الأكبر الذي سيرجّح كفّة الاتجاه القادم.